الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

296

مختصر الامثل

إنّ اليهود كانوا يحرمون الإبل وكل ما شق ظلفاً من البهائم ، ولكن ذلك لا يدل على أنّها كانت محرمة في شريعة نوح وإبراهيم أيضاً ، إذ يمكن أن يكون هذا التحريم مختصاً باليهود عقاباً لهم وتنكيلًا . فإذا لم يكن لليهود حجة على زعمهم ، وإذا تبين لهم صدق الرسول الكريم صلى الله عليه وآله في دعوته ، واتضح لهم أنّه على ملة إبراهيم ، ودينه الحنيف حقاً يوجب عليهم أن يتبعوه « قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . اتبعوا ملة إبراهيم الذي كان حنيفاً مستقيماً لا يميل إلى شيء من الأديان الباطلة ، والأهواء الفاسدة ، بل يسير في الطريق المستقيم ، فلم يكن في دينه أي حكم منحرف مائل عن الحق وحتى في ال أطعمة الطيبة الطاهرة لم يكن يحرم شيئاً بدون مبرر أو سبب وجيه للتحريم . . . إنّه لم يكن مشركاً . إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( 97 ) لقد أنكرت اليهود على النبي صلى الله عليه وآله أمرين وقد ردّ القرآن على الأمر الأوّل في الآيات الثلاث المتقدمة ، وها هو يرد على الأمر الثاني ، وهو : إنكارهم على النبي اتخاذه الكعبة قبلة ، وتفضيله لها على بيت المقدس بينما كانوا يفضلونه على الكعبة . يقول سبحانه : « إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا » . فلا عجب إذن أن تكون الكعبة قبلة للمسلمين ، فهي أوّل مركز للتوحيد . إنّ المصادر الإسلامية والتاريخية تحدثنا بأنّ الكعبة تأسست على يدي « آدم عليه السلام » ثم تهدمت بسبب الطوفان الذي وقع في عهد النبي « نوح عليه السلام » ثم جدد بناءها النبي العظيم « إبراهيم الخليل عليه السلام » فهي إذن عريقة عراقة التاريخ البشري . إنّ « الكعبة » والتي تسمى في تسمية وأخرى ب « بيت اللَّه » وصفت في هذه الآية بأنّها « بيت للناس » وهذا التعبير يكشف عن حقيقة هامّة وهي : أنّ كل ما يكون باسم اللَّه ويكون له ، يجب أن يكون في خدمة الناس من عباده ، وأنّ كل ما يكون لخدمة الناس وخير العباد فهو للَّه‌سبحانه . لقد ذكرت في هاتين الآيتين أربع مزايا أخرى هي :